سيد محمد طنطاوي

395

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

فوقّفهم اللَّه من ذلك على حالة البحر حيث تنقطع الحيل » « 1 » . وقال الإمام ابن كثير : يخبر تبارك وتعالى أن الناس إذا مسهم ضر دعوه منيبين إليه مخلصين له الدين ، ولهذا قال - تعالى - : * ( وإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاه ) * أي : ذهب عن قلوبكم كل ما تعبدون غير اللَّه - تعالى - كما اتفق لعكرمة بن أبي جهل ، لما ذهب فارا من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم حين فتح مكة ، فذهب هاربا فركب في البحر ليدخل الحبشة ، فجاءتهم ريح عاصف ، فقال القوم بعضهم لبعض : إنه لا يغنى عنكم إلا أن تدعو اللَّه وحده . فقال عكرمة في نفسه : واللَّه إن كان لا ينفع في البحر غيره ، فإنه لا ينفع في البر غيره ، اللهم لك على عهد لئن أخرجتني منه ، لأذهبن فلأضعن يدي في يد محمد صلى اللَّه عليه وسلم فلأجدنه رؤوفا رحيما . فخرجوا من البحر ، فرجع إلى الرسول صلى اللَّه عليه وسلم فأسلم وحسن إسلامه - رضى اللَّه عنه » « 2 » . وقوله - تعالى - : * ( فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وكانَ الإِنْسانُ كَفُوراً ) * بيان لطبيعة الإنسان إلا من عصم اللَّه . أي : فلما نجاكم اللَّه - تعالى - بلطفه وإحسانه : من الغرق ، وأوصلكم سالمين إلى البر ، أعرضتم عن طاعته ، وتركتم دعاءه والضراعة إليه ، وكان الإنسان الفاسق عن أمر ربه ، * ( كَفُوراً ) * أي : كثير الكفران والجحود لنعم ربه - عز وجل - . قال الآلوسي ما ملخصه : وقوله : * ( وكانَ الإِنْسانُ كَفُوراً ) * كالتعليل للإعراض ، ويعلم منه حكم أولئك المخاطبين ، وفيه لطافة حيث أعرض - سبحانه - عن خطابهم بخصوصهم ، وذكر أن جنس الإنسان مجبول على الكفران ، فلما أعرضوا أعرض اللَّه - تعالى - عنهم » « 3 » . وفي معنى هذه الآية جاءت آيات كثيرة . منها قوله - تعالى - فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّه مُخْلِصِينَ لَه الدِّينَ ، فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ « 4 » .

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 10 ص 291 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 3 ص 50 . ( 3 ) تفسير الآلوسي ج 15 ص 116 . ( 4 ) سورة العنكبوت الآية 65 .